فخر الدين الرازي

84

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : روي أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال لا بن مسعود : « اقرأ القرآن علي » قال : فقلت يا رسول اللَّه أنت الذي علمتنيه فقال : « أحب أن أسمعه من غيري » قال ابن مسعود : فافتتحت سورة النساء ، فلما انتهيت إلى هذه الآية بكى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، قال ابن مسعود فأمسكت عن القراءة . وذكر السدي أن أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم يشهدون للرسل بالبلاغ ، والرسول صلى اللَّه عليه وسلم يشهد لأمته بالتصديق ، فلهذا قال : جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة : 143 ] وحكي عن عيسى عليه السلام أنه قال : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [ المائدة : 117 ] . المسألة الثانية : من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه : كيف بك إذا كان كذا وكذا ، وإذا فعل فلان كذا ، وإذا جاء وقت كذا ، فمعنى هذا الكلام : كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد اللَّه على كل أمة برسولها ، واستشهدك على هؤلاء ، يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم . ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم ، وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ . ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم فقال : يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ يقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر . لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز ، فوجب حمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر ، إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام ، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي . لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو تُسَوَّى مضمومة التاء خفيفة السين على ما لم يسم فاعله ، وقرأ نافع وابن عامر تُسَوَّى مفتوحة التاء مشددة السين بمعنى : تتسوى ، فأدغم التاء في السين لقربها منها ، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله : اطَّيَّرْنا بِكَ [ النمل : 47 ] وَازَّيَّنَتْ [ يونس : 24 ] يَذَّكَّرُونَ [ الأنعام : 26 ] وفي هذه القراءة اتساع ، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ حمزة والكسائي تسوى مفتوحة التاء والسين خفيفة ، حذفا التاء التي أدغمها نافع ، لأنها كما اعتلت بالإدغام اعتلت بالحذف . المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير قوله : لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وجوها : الأول : لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى . والثاني : يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء . الثالث : تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ : 40 ] . المسألة الرابعة : قوله : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً فيه لأهل التأويل طريقان : الأول : أن هذا متصل بما قبله . والثاني : أنه كلام مبتدأ ، فإذا جعلناه متصلا احتمل وجهين : أحدهما : ما قاله ابن عباس رضي اللَّه عنهما : يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد صلى اللَّه عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوا ، وعلى هذا القول :